الجزء الرابع: ما بعد القمة، الصراع مع الجسد، والقرار المصيري
بعد موسم 2006-2007 الاستثنائي، دخل كاكا مرحلة جديدة من مسيرته، مرحلة تختلف تمامًا عن تلك التي سبقته. فالوصول إلى القمة لا يعني البقاء فيها بسهولة، خصوصًا في كرة القدم الحديثة التي لا ترحم الأجساد ولا تنتظر اللاعبين. أصبح كاكا الآن الهدف الأول للخصوم، واللاعب الذي تُبنى عليه الخطط الدفاعية لإيقاف ميلان. لم يعد عنصر المفاجأة حاضرًا كما كان، وأصبحت المساحات أضيق، والالتحامات أقسى، والضغوط البدنية أكبر.
في المواسم التي تلت الكرة الذهبية، واصل كاكا تقديم مستويات عالية، لكنه بدأ يشعر لأول مرة بأن جسده لا يستجيب بنفس الطريقة. الإصابات العضلية بدأت تظهر بشكل متكرر، خاصة في الفخذ والركبة، وهي إصابات خطيرة بالنسبة للاعب يعتمد بشكل أساسي على الانطلاقات السريعة من العمق. رغم ذلك، كان كاكا يرفض الاستسلام، ويصر على اللعب والمساهمة، حتى وهو غير مكتمل الجاهزية البدنية.
ميلان في تلك الفترة كان يمر بمرحلة انتقالية صعبة. الفريق الذي هيمن على أوروبا في بداية الألفية بدأ يتقدم في العمر، والنجوم الذين رافقوا كاكا في مجده مثل سيدورف، بيرلو، وغاتوزو لم يعودوا في ذروة عطائهم البدني. هذا الوضع وضع على عاتق كاكا مسؤولية مضاعفة، حيث أصبح مطالبًا ليس فقط بصناعة اللعب، بل أيضًا بإنقاذ الفريق في لحظات العجز الجماعي. كثيرًا ما كان يتسلم الكرة في منتصف الملعب، وينطلق بمفرده محاولًا كسر خطوط الدفاع، في مشهد يعكس حجم العبء الذي كان يحمله.
رغم كل هذه التحديات، ظل كاكا اللاعب الأكثر تأثيرًا في ميلان. أرقامه التهديفية لم تكن دائمًا في أعلى مستوياتها، لكن قيمته الفنية والتكتيكية ظلت واضحة لكل من يفهم كرة القدم. كان لاعبًا يخلق التفوق العددي بالحركة، ويمنح زملاءه الحلول حتى عندما لا يكون هو من يسجل أو يصنع الهدف الأخير. ومع ذلك، بدأت المقارنات القاسية تظهر، خاصة مع الصعود الصاروخي لميسي ورونالدو، اللذين قدّما أرقامًا مذهلة وغير مسبوقة. الإعلام بدأ يتحدث عن “نهاية عصر كاكا” مبكرًا، متناسيًا طبيعة الإصابات التي كان يعاني منها.
في صيف 2009، وصل الصراع إلى ذروته. ريال مدريد، بقيادة فلورنتينو بيريز، أطلق مشروع “الغلاكتيكوس” الجديد، وكان كاكا أحد الأسماء الرئيسية في هذا المشروع. العرض المقدم لميلان كان ضخمًا، والنادي الإيطالي، الذي كان يعاني ماليًا، وجد نفسه مضطرًا للتفكير في بيع نجمه الأكبر. كاكا نفسه كان ممزقًا بين وفائه لميلان، النادي الذي صنع اسمه العالمي، ورغبته في خوض تحدٍ جديد في أكبر نادٍ في العالم.
القرار لم يكن سهلًا على الإطلاق. كاكا عبّر في أكثر من مناسبة عن حبه العميق لميلان وجماهيره، لكنه كان يشعر في داخله أن مرحلة جديدة تنتظره، وأن البقاء قد يتحول من وفاء إلى جمود. في النهاية، تم الانتقال، وارتدى كاكا القميص الأبيض لريال مدريد، في صفقة اعتُبرت واحدة من أكبر صفقات ذلك العصر.
استقباله في مدريد كان أسطوريًا. جماهير غفيرة، توقعات هائلة، وضغط إعلامي غير مسبوق. أصبح كاكا فجأة في مركز عاصفة لا تهدأ، حيث كل لمسة، كل تمريرة، وكل إصابة تُحلل وتُضخم. في نادٍ مثل ريال مدريد، لا يكفي أن تكون لاعبًا جيدًا، بل يجب أن تكون خارقًا في كل مباراة. ومع أن كاكا دخل التجربة بنوايا صادقة وحماس كبير، إلا أن جسده كان يخفي له تحديات أكبر مما توقع.
منذ موسمه الأول، بدأت الإصابات تطارده من جديد. لم يتمكن من اللعب بشكل متواصل، ولم يجد الإيقاع الذي يسمح له بالتألق. أسلوب لعب ريال مدريد، القائم على السرعة العالية والتحولات السريعة، كان يتطلب جاهزية بدنية كاملة، وهو ما لم يكن متوفرًا لدى كاكا في تلك الفترة. رغم لحظات التألق القليلة التي أظهر فيها لمحات من عبقريته، إلا أن الاستمرارية غابت، ومعها بدأت الشكوك تتسلل إلى الجماهير.
كاكا، الذي اعتاد أن يكون نجم الفريق الأول، وجد نفسه في بعض الأحيان لاعبًا بديلاً، أو خيارًا ثانويًا خلف أسماء أخرى. هذا التحول لم يكن سهلًا على لاعب اعتلى قمة العالم قبل سنوات قليلة فقط. لكنه تعامل معه بنفس الهدوء الذي عرف به دائمًا، دون شكاوى علنية أو صدامات إعلامية. كان يدرك أن كرة القدم لا تعطي دائمًا بقدر ما تأخذ، وأن الكرامة في التعامل مع التراجع لا تقل أهمية عن المجد نفسه.
هكذا، دخل كاكا واحدة من أصعب مراحل مسيرته، مرحلة اختبار الصبر، الإيمان، والقدرة على التكيف مع واقع جديد لا يشبه الماضي. هذه المرحلة، رغم قسوتها، كشفت عن جانب إنساني عميق في شخصيته، جانب اللاعب الذي يقاتل بصمت حتى عندما تخذله الظروف.
الجزء الخامس: ريال مدريد من الداخل، الخيبة الهادئة، والرحيل بصمت
دخل كاكا تجربته مع ريال مدريد وهو يدرك تمامًا أنه انتقل إلى نادٍ لا يعترف بالماضي ولا ينتظر الأعذار. ريال مدريد يعيش على الحاضر، ويقيس اللاعبين بما يقدمونه الآن، لا بما حققوه سابقًا. ورغم أن كاكا وصل إلى مدريد بصفته أفضل لاعب في العالم قبل عامين فقط، إلا أن ذلك اللقب لم يمنحه أي حصانة حقيقية داخل منظومة لا تعرف المجاملة. منذ الأيام الأولى، كان واضحًا أن التحدي في مدريد ليس فنيًا فقط، بل نفسيًا وبدنيًا بالدرجة الأولى.
في موسمه الأول، حاول كاكا التأقلم مع النسق العالي للفريق. لعب في عدة مراكز هجومية، أحيانًا خلف المهاجم، وأحيانًا كجناح متقدم، لكن الإصابات المتكررة حرمته من الاستقرار. كان يعود من إصابة، يقدم مباراة أو اثنتين جيدتين، ثم يغيب من جديد. هذا التذبذب منع بناء الثقة بينه وبين الجهاز الفني، كما صعّب عليه فرض نفسه كنقطة ارتكاز أساسية في الفريق. ومع ذلك، لم يكن أداؤه سيئًا في المجمل، بل كان مقبولًا، لكن المشكلة أن “المقبول” لا يكفي في ريال مدريد.
مع وصول المدرب جوزيه مورينيو، دخل كاكا مرحلة أكثر تعقيدًا. مورينيو مدرب يؤمن بالجاهزية البدنية القصوى والانضباط التكتيكي الصارم، ولم يكن يرى في كاكا اللاعب المناسب لأسلوبه في ظل حالته البدنية. العلاقة بين الطرفين لم تكن صدامية علنًا، لكنها كانت باردة. مورينيو كان صريحًا في خياراته، وفضّل لاعبين أكثر قوة بدنية واستمرارية، بينما وجد كاكا نفسه خارج الحسابات الأساسية في مباريات كثيرة.
رغم ذلك، لم يستسلم كاكا. حاول العودة أكثر من مرة، وقدم بعض العروض الجيدة، خاصة في المباريات الأقل ضغطًا. كان واضحًا أنه لا يزال يمتلك الرؤية واللمسة، لكن السرعة التي كانت سلاحه القاتل في ميلان لم تعد بنفس الحدة. الجسد الذي حمله إلى القمة بدأ يطالبه بثمن تلك السنوات من الركض والانطلاقات العنيفة. وفي مدريد، حيث المقارنات لا ترحم، كان يُقارن بلاعبين في أوج عطائهم البدني، مما زاد من حدة الانتقادات.
الجماهير انقسمت حوله. فئة كانت ترى فيه لاعبًا مظلومًا لم يحصل على الفرصة الحقيقية، وفئة أخرى اعتبرته صفقة فاشلة لم ترقَ إلى حجم التوقعات. كاكا، بطبيعته الهادئة، لم يدخل في أي جدال، ولم يرد على الانتقادات. كان يفضل الصمت والعمل، حتى وإن لم يؤدِ ذلك إلى تغيير الواقع. هذا الصمت، بالنسبة للبعض، كان ضعفًا، لكنه في الحقيقة كان تعبيرًا عن شخصية لا تبحث عن التبرير بقدر ما تقبل الحقيقة.
مع مرور الوقت، أصبح واضحًا أن مشروع كاكا في ريال مدريد يقترب من نهايته. لم يعد ضمن خطط النادي المستقبلية، ومع تزايد المنافسة في مركزه، تقلصت فرصه أكثر. القرار بالرحيل لم يكن صادمًا، بل بدا منطقيًا لكلا الطرفين. كاكا كان بحاجة إلى استعادة نفسه بعيدًا عن الضغط الخانق، وريال مدريد كان يسعى لتجديد دمائه.
الرحيل عن مدريد تم بهدوء يليق بشخصية كاكا. لم تكن هناك تصريحات نارية، ولا لوم متبادل. عاد إلى ميلان، النادي الذي عرف فيه أجمل أيامه، في خطوة حملت طابع الحنين أكثر مما حملت طابع الطموح. العودة لم تكن بهدف إعادة كتابة التاريخ، بل لإغلاق دائرة بدأت قبل سنوات، وللعب كرة القدم دون ثقل التوقعات العالمية.
في ميلان، لم يعد كاكا ذلك الشاب الذي يقود الفريق نحو الألقاب الأوروبية، بل لاعبًا مخضرمًا يقدم خبرته ولمساته كلما سمحت له حالته البدنية. الجماهير استقبلته بحب كبير، مدركة أن الزمن لا يعود إلى الوراء، لكنها كانت ممتنة للاعب منحها لحظات لا تُنسى. كاكا نفسه بدا أكثر تصالحًا مع مسيرته، أكثر هدوءًا، وأكثر وعيًا بأن القيمة الحقيقية لا تُقاس فقط بعدد الألقاب.
هذه المرحلة، رغم ما حملته من خيبة، كانت ضرورية في تكوين الصورة الكاملة لكاكا. فهي أظهرت جانب الإنسان خلف النجم، اللاعب الذي يعرف كيف يتعامل مع الفشل بنفس الكرامة التي تعامل بها مع النجاح. وفي هذه القدرة على تقبل التراجع، يكمن جزء كبير من عظمته.
في الجزء السادس، سنتناول المرحلة الأخيرة من مسيرته، العودة إلى البرازيل، التجربة الأمريكية، الاعتزال، والإرث الذي تركه كاكا في كرة القدم العالمية.